إقتصادية

عُملة دول البريكس الموحدة، لن ترى النور أبداً في عالم يهيمن عليه الدولار

قبل أيام قليلة من بدء قمة دول بريكس BRICS، السادسة عشرة في مدينة كازان الروسية في شهر تشرين أول/أكتوبر 2024، نَصح منظمو هذه القمة الحاضرين بجلب الدولار الأمريكي واليورو، حيث إن المصارف الروسية فضلت هذه العملات على التبادل بدلاً من (الروبل/العملة الروسية)، و في الإجتماع ، ناقش القادة الذين يمثلون دول (البرازيل، روسيا ، الهند، الصين و جنوب إفريقيا) خُططًا لتقليل إعتمادهم على الدولار الأمريكي.

على الرغم من أن هيمنة الدولار الأمريكي قلت، إلا أنه يبقى – و من المرجح أن يظل – إلى حد بعيد العُملة الأكثر إستخدامًا من قبل عدد من المقاييس، لا يزال الدولار الأمريكي يمثل 59% من إحتياطيات المصارف المركزية في العالم ، بانخفاض عن 72 في المائة بعد الحرب العالمية الثانية، و حتى لو كانت دول (البريكس) تهدف إلى الإبتعاد عن الدولار الأمريكي، فسوف يستغرق الأمر سنوات، وستكون هذه الخطوة في أحسن الأحوال جزئيًا.

China currency

إستخدام الدولار في تمويل التجارة العالمية – المصدر – سويفت – شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2024

من غير المُرجح أن تسمح الحكومة الأمريكية بمثل هذا التُخلص من الدولار، بدون أي رد فعل مقابلإ، و قد يعني إتخاذ تدابير إنتقامية في شكل تجميد مُقتنيات البلدان من الدولار!

حذر الرئيس الأمريكي المُنتخب دونالد ترامب بلدان منظمة (بريكس) من أنه إذا حاولوا إستبدال “الدولار الأمريكي العظيم” ، فإنهم سيواجهون “100% نسبة تعرفات تجارية”، ويجب أن يتوقعوا أن يقولوا وداعًا للتعامل مع الإقتصاد الأمريكي الرائع!

putin9
الصورة بواسطة الذكاء الإصطناعي

تبع إعلان دونالد ترامب، طلب مستشاروه إلى إتخاذ تدابير شديدة ضد البلدان التي تسعى إلى التخلص من “سيادة” الدولار وتقويض مكانة “الولايات المُتحدة”.

كان الدولار الأمريكي “العُملة الإحتياطية” في العالم منذ ما يقرب من قرن، ولكن ينبع تحدي منظمة دول البريكس لهيمنة الدولار الأمريكي من “القوة الإقتصادية الجماعية” المُتصورة للمجموعة، وخاصة عندما يمثل أعضائها 24% من الناتج المحلي الإجمالي GDP، في العالم، المُقدر بـ 105 ترليون دولار، و 16% من التجارة العالمية (الإحصائيات المتوفرة تتحدث عن صادرات عالمية تقدر بـ 25 ترليون دولار، و إستيراد يقدر بـ 24 ترليون دولار).

أنضمت دول جديدة لمنظمة بريكس، حيث أُطلق على هذا التوسع (Brics Plus)، وهذه الدول هي (مصر، إثيوبيا، إيران والإمارات العربية المتحدة)، حيث تنوي التخلص من الدولار الأمريكي في” معاملاتها الثنائية “وتهدف إلى” نظام نقدي أكثر تنوعًا، بسبب العقوبات المالية التي تتبعها الولايات المتحدة كوسيلة فريدة بسبب هيمنة الدولار، وقد فرضت الولايات المتحدة بالفعل عقوبات (التي تضمن عدم وصول روسيا للدولار) بسبب غزوها لأوكرانيا، وهو ما أطلق عليه (تسليح الدولار)

من جانبها، أعربت الصين (التي تعتمد بشكل كُلي في إستقرار عملتها الرسمية على الدولار) عن إلتزامها، إلى جانب روسيا ، “بإدخال” نظام مدفوعات بديل بشكل مُشترك مُستقل عن منظمة (سويفت Swift) التي تعتمد على الدولار الأمريكي.

الموقف الصيني ليس مدعوماً فقط من خلال “بصمة كبيرة” في التجارة و الإستثمار الدوليين (مبادرة الحزام والطريق BRI على سبيل المثال)، ولكن كذلك في إستخدام عملتها المحلية (اليوان أو رينمنبي/ إختصارا RMB ) في المعاملات العالمية (خاصة مع مجلس التعاون الخليجي لدول الخليج العربي)، وممكن أن يكون “منافسًا أساسيًا” للدولار الأمريكي.

إلى جانب الهدف من إدخال العملات الوطنية والإقليمية الأخرى كبدائل للدولار الأمريكي، تشمل النية لدول بريكس إستخدام العملات الرقمية.

منذ أكثر من عام، أتخذت البرازيل خطوة إلى الأمام بإقتراح للدول الأعضاء في بريكس، لإيجاد عُملة مُشتركة للتجارة و الإستثمار بين بعضها البعض.

في حين أن الإقتراح البرازيلي غير مقبول على نطاق واسع بين الدول الأعضاء، فإن الهند و الإمارات العربية المتحدة، التي تشترك بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، تريد التعامل بالعملة المحلية لبلادهما!

وقعت الهند إتفاقية للتداول بالعملات المحلية مع الإمارات العربية المتحدة في شهر تموز/يوليو 2023، ومع ماليزيا في شهر نيسان/أبريل 2023، وفي وقت لاحق من نفس العام، أعلنت الحكومة الهندية أنها وقعت إتفاقات مع 22 دولة لتسهيل المعاملات في العملات المحلية.

مع ذلك، فقد كانت الهند حذرة فيما يتعلق بعملة (البريكس) حتى مع إستمرار الهند و روسيا في التجارة في عملاتهما لشراء النفط.

أثناء الحديث عن إصلاح الإقتصاد الدولي، و الحاجة إلى نظام إقتصادي بديل، أقر صانعي السياسة بأهمية الدولار الأمريكي.

وقد أنعكس هذا في إعلان حاكم بنك الإحتياطي الهندي (شاكتيكانتا داس Shaktikanta Das) في كانون الثاني/يناير 2024، أن الحكومة الهندية لم تكن تُفكر في التحرك نحو إلغاء التعامل بالدولار، وأنه سيظل العملة المهيمنة!

بعد تصريحات دونالد ترامب الأخيرة، أوضح وزير الخارجية الهندي (S. Jaishankar)، أن الهند لم تكن أبدًا تفكر بالتخلص من التعامل بالدولار، ولا يوجد الآن إقتراح يخص عملة بريكس!

putin4
الصورة بواسطة الذكاء الإصطناعي

على مدار السنوات القليلة الماضية، تعرضت الهيمنة السياسية-الاقليمية، الإقتصادية و الإستراتيجية للولايات المتحدة للتحدي، في المقام الأول من قبل الصين وروسيا.

ومع ذلك، في هذا السياق العالمي الأوسع، الحديث الواقعي هو أن مُعظم الحكومات و الشركات الكبيرة تواصل الإقتراض بشدة بالدولار الأمريكي

وكتعبير عن الحذر، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه، إن عملة بريكس مشتركة كانت “إحتمالًا طويل الأجل”، وأنها “ليس قيد الدراسة”، حتى عندما تدرس الكتلة إمكانية توسيع إستخدام العملات المحلية، وخلقها الأدوات التي من شأنها أن تجعل هذا العمل آمنًا!

putin1
الصورة بواسطة الذكاء الإصطناعي

من الصعب إذن أن نقيس مدى تصميم الدول الأعضاء في مجموعة البريكس على تحقيق هدفها حتى مع بقاء المُحللين متشككين بشأن “جدوى” تنفيذ تدابير مُنسقة في أي وقت قريب.

وهذا يشير إلى أن الأمر قد يستغرق وقتا طويلا قبل أن تتطور مجموعة البريكس، باعتبارها كتلة قوية ناشئة، وتتبنى نظام دفع يمكن إعتباره بديلا جديا لنظام سويفت.

كان الاعلان الذي صدر في إجتماع مدينة غازان الروسية “غامضا” بشأن مُبادرة المدفوعات عبر الحدود لمجموعة البريكس (BCBPI)، والتي تهدف إلى “تعزيز” الشبكات المصرفية بين الدول الأعضاء وتمكين التسويات بالعملات المحلية.

هناك تقارير تفيد بأن المصرفيين لا يزالون غير مقتنعين بقدرة مجموعة البريكس على تطوير نظام دعم فني لإنشاء ومواصلة العمل ببديل قوي لنظام سويفت، وهناك مخاوف من أن الشركات في بعض الدول الأعضاء في مجموعة البريكس قد تكون غير قادرة على إجراء واستلام المدفوعات مع شركاء الأعمال خارج المنظومة لهذه المجموعة.

من منظور الهند، فإن العلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة مهمة للغاية بحيث لا يمكن لتهديد دونالد ترامب بالتعريفات التجارية أن يحجب العلاقات الثنائية الأوسع نطاقا.

من المرجح أن يفكر دونالد ترامب ملياً قبل تنفيذ تهديده، ففي حالة زيادة قوة الدولار الأميركي، ستصبح الصادرات الأميركية أكثر تكلفة وأقل قدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

كما سينتهي الأمر بالمستهلكين الأميركيين إلى دفع ضعف ثمن المُنتجات المستوردة، وستؤدي التعريفات التجارية إلى إرتفاع التكاليف بالنسبة للشركات الأميركية التي تستخدم مكونات مستوردة.

خلال رئاسته الأخيرة، منح دونالد ترامب إعفاءات من العقوبات لبضعة أشهر للدول التي تتاجر بالنفط مع إيران، وعلى نحو مماثل، وعلى الرغم من العقوبات الأميركية في ذلك الوقت، ظل مشروع (تشابهار في إيران) خارج نطاق التدابير العقابية.

في ولايته الثانية، قد يتبنى نَهجا يفكر بالمصالح أولاً.

(نقلا عن مقال لـ تريديفيش سينغ مايني Tridivesh Singh Maini في The Diplomat)

الإستماع للمقالة

أقرأ المزيد

المقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، لايمكن نسخ المحتويات