سياسية

كيف ترى إيران الطريق المناسب للسلام (في المنطقة)

في الثلاثين من تموز/يوليو 2024، أدى مسعود پزشكيان اليمين الدستورية رئيساً جديداً لإيران، وبعد ساعات قليلة من الحفل، أُغتيل إسماعيل هنية، رئيس الوزراء السابق للسلطة الوطنية الفلسطينية ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس، على يد إسرائيل، في دار ضيافة بالقرب من المجمع الرئاسي في العاصمة طهران، وكان اسماعيل هنية قد دُعي لحضور حفل التنصيب، وألقى مقتله على الأراضي الإيرانية بظلاله على هذه التحضيرات، كما ألقى الضوء على التحديات التي سيواجهها الرئيس الجديد في سعيه إلى تحقيق طموحاته في السياسة الخارجية.

ولكن، الرئيس مسعود پزشكيان مُستعد جيداً للتعامل مع كل الصعوبات التي قد تنشأ على مدى السنوات المقبلة، حيث يدرك أن العالم ينتقل إلى عصر ما بعد (سياسة اللاعب الرئيسي الوحيد، *يقصد الولايات المتحدة) حيث يمكن للجهات الفاعلة العالمية التعاون والتنافس في وقت واحد عبر مناطق مختلفة.

تبنى الرئيس الجديد سياسة خارجية مرنة، مع إعطاء الأولوية للمشاركة الدبلوماسية و الحوار البناء بدلا من الإعتماد على سياسة عفا عليها الزمن.

رؤيته لأمن إيران شاملة، تشمل كل من القدرات الدفاعية التقليدية، وتعزيز الأمن للمواطنين، من خلال التحسينات في القطاعات الإقتصادية، الاجتماعية والبيئية.

يريد الرئيس مسعود پزشکیان الإستقرار، التنمية الإقتصادية في الشرق الأوسط، ويريد التعاون مع الدول العربية المجاورة وتعزيز العلاقات مع حلفاء إيران، لكنه يريد كذلك المُشاركة البناءة مع الغرب، وحكومته مُستعدة لإدارة التوترات مع الولايات المتحدة، التي أنتخبت للتو رئيسا جديداً، ويأمل في مفاوضات متساوية فيما يتعلق بالإتفاق النووي – وربما أكثر من ذلك.

ولكن كما أوضح الرئيس الايراني، فإن إيران لن تستسلم للمطالب غير المعقولة، وسوف تقف البلاد دائما في وجه العدوان الإسرائيلي، ولن تتراجع عن حماية مصالحها الوطنية.

إنها لحظة تأريخية للإستقرار لا ينبغي للعالم أن يفوتها، ومن المؤكد أن إيران، لن تضيعها.

بعد أكثر من قرنين من الضعف، أثبتت إيران ــ تحت قيادة المرشد الأعلى علي خامنئي ــ أخيرا أنها قادرة على الدفاع عن نفسها ضد أي عدوان خارجي، ومن أجل الإرتقاء بهذا الإنجاز إلى المستوى التالي، تُخطط إيران، تحت إدارتها الجديدة، لتحسين العلاقات مع الدول المجاورة للمساعدة في خلق نظام إقليمي يُعزز الاستقرار والثروة والأمن.

لقد عانت منطقتنا لفترة طويلة للغاية من التدخل الأجنبي، الحروب، الصراعات الطائفية، الإرهاب، الاتجار بالمخدرات ، ندرة المياه وأزمات اللاجئين والتدهور البيئي، و لمعالجة هذه التحديات، سنعمل على مُتابعة التكامل الإقتصادي وأمن الطاقة، حرية الملاحة، حماية البيئة والحوار بين الأديان.

في نهاية المطاف، قد تؤدي هذه الجهود إلى ترتيب إقليمي جديد يقلل من إعتماد المنطقة، على القوى الخارجية ويشجع أصحاب المصلحة على معالجة الصراعات من خلال آليات حل النزاعات.

للقيام بذلك، قد تسعى دول المنطقة إلى إبرام المعاهدات وإنشاء المؤسسات وتشريع السياسات وتمرير التدابير التشريعية، ويمكن لإيران وجيرانها أن يبدأوا بمحاكاة (عملية هلسنكي)، التي أدت إلى تشكيل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

يمكنهم كذلك إستخدام التفويض الذي لم يتم تنفيذه قط، و الذي منحه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للأمين العام للأمم المتحدة في عام 1987، بموجب القرار 598، حيث دعا ذلك القرار، الذي أنهى الحرب بين إيران والعراق، الأمين العام إلى التشاور مع إيران والعراق ودول إقليمية أخرى لإستكشاف التدابير التي من شأنها أن تعزز الأمن و الإستقرار في المنطقة، وتعتقد إدارة الرئيس الإيراني الجديد، أن هذا البند يمكن أن يكون بمثابة الأساس القانوني للمحادثات الإقليمية الشاملة.

بطبيعة الحال، هناك عقبات يجب على إيران وجيرانها التغلب عليها لتعزيز نظام إقليمي سلمي ومتكامل، و إن بعض الاختلافات مع جيرانها ترجع إلى جذور عميقة، تشكلت بفعل تفسيرات متباينة للتأريخ.

تنشأ خلافات أخرى عن مفاهيم خاطئة، ترجع في الأساس إلى ضعف أو عدم كفاية في التواصل، وهناك خلافات أخرى تعود إلى تصورات سياسية زرعتها قوى خارجية، مثل الادعاءات المُتعلقة بطبيعة وهدف البرنامج النووي الإيراني.

ولكن يتعين على المنطقة أن تتحرك إلى الأمام، و ذلك أن رؤية إيران تتوافق مع مصالح البلدان العربية، التي تريد جميعها منطقة أكثر إستقراراً و إزدهاراً من أجل الأجيال القادمة.

بالتالي، ينبغي لإيران و العالم العربي أن يعملا على حل خلافاتهما، ومن الممكن أن يساعد دعم إيران للمقاومة الفلسطينية في تحفيز مثل هذا التعاون، و ذلك أن العالم العربي مُتحد مع إيران في دعمها لإستعادة حقوق الشعب الفلسطيني.

بعد أكثر من عشرين عاما من القيود الإقتصادية، يتعين على الولايات المتحدة و حلفائها الغربيين أن يدركوا أن إيران لا تستجيب للضغوط، فقد كانت تدابيرهم القسرية المتزايدة تأتي بنتائج عكسية بإستمرار، وفي ذروة أحدث حملة ضغط قصوى شنتها الولايات المتحدة ــ وبعد أيام قليلة من إغتيال إسرائيل للعالم النووي الإيراني البارز مُحسن فخري زاده ــ أقر البرلمان الإيراني قانونا يوجه الحكومة إلى التقدم السريع في برنامجها النووي والحد من المراقبة الدولية.

وقد زاد عدد أجهزة الطرد المركزي في إيران بشكل كبير منذ عام 2018 ــ عندما أنسحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الإتفاق النووي ــ و أرتفعت مستويات التخصيب من 3.5% إلى أكثر من 60%.

ومن الصعب أن نتخيل أن أيا من هذا كان ليحدث لو لم يتخل الغرب عن نهجه التعاوني، وفي هذا الصدد، يتحمل دونالد ترمب، الذي سيتولى منصبه مرة أخرى في كانون الثاني/يناير 2024، وشركاء الولايات المتحدة في أوروبا المسؤولية عن إستمرار التقدم النووي الإيراني.

بدلا من زيادة الضغوط على إيران، ينبغي للغرب أن يسعى إلى حلول إيجابية، و إن الإتفاق النووي يشكل مثالا فريدا، ويتعين على الغرب أن يسعى إلى إحيائه.

لكن، للقيام بذلك، يتعين على الغرب إتخاذ إجراءات ملموسة و عملية ــ بما في ذلك التدابير السياسية والتشريعية والاستثمارية ذات المنفعة المتبادلة ــ لضمان إستفادة إيران إقتصاديا من الاتفاق، كما وعد (*الإتفاق لعام 2015).

إذا قرر دونالد ترامب إتخاذ مثل هذه الخطوات، فإن إيران على إستعداد لإجراء حوار من شأنه أن يعود بالنفع على إيران والولايات المتحدة.

على نطاق أوسع، يتعين على صناع السياسات الغربيين أن يعترفوا بأن الإستراتيجيات الرامية إلى إثارة إيران والدول العربية ضد بعضها البعض من خلال دعم مبادرات مثل ما يسمى إتفاقيات إبراهيم (التي عملت على تطبيع العلاقات بين مختلف الدول العربية و إسرائيل) أثبتت عدم فعاليتها في الماضي، ولن تنجح في المستقبل.

يحتاج الغرب إلى نهج أكثر إيجابية ــ نهج يستفيد من ثقة إيران التي أكتسبتها بشق الأنفس، ويقبل إيران كجزء لا يتجزأ من الإستقرار الإقليمي، ويسعى إلى إيجاد حلول تعاونية للتحديات المشتركة.

وقد تدفع مثل هذه التحديات المُشتركة (إيران والولايات المتحدة) إلى الانخراط في إدارة الصراع بدلا من التصعيد الكبير، و إن جميع البلدان، بما في ذلك إيران والولايات المتحدة، لديها مصلحة مشتركة في معالجة الأسباب الكامنة وراء الاضطرابات الإقليمية.

إن إيران اليوم واثقة من قدرتها على القتال للدفاع عن نفسها، ولكنها تريد السلام.

هذا يعني، أن كل الدول لديها مصلحة في وقف الإحتلال الإسرائيلي، وينبغي لها أن تُدرك أن القتال والغضب سوف يستمران إلى أن ينتهي الإحتلال.

ربما تتصور إسرائيل أنها قادرة على تحقيق إنتصار دائم على الفلسطينيين، ولكنها لا تستطيع ذلك؛ فالشعب الذي ليس لديه ما يخسره لا يمكن هزيمته.

والواقع، أن المنظمات مثل حزب الله و حماس تمثل حركات تحرير شعبية نشأت رداً على الإحتلال، وسوف تستمر في الاضطلاع بدور مهم ما دامت الظروف الأساسية قائمة ـ أي، إلى أن يتحقق حق الفلسطينيين في تقرير المصير، ومن الممكن أن تتخذ خطوات وسيطة، بما في ذلك وقف إطلاق النار الفوري في لبنان وغزة.

يمكن لإيران أن تستمر في الإضطلاع بدور بناء في إنهاء الكابوس الإنساني الحالي في غزة، وأن تعمل مع المجتمع الدولي على السعي إلى التوصل إلى حل دائم وديمقراطي للصراع.

إن إيران سوف توافق على أي حل مقبول للفلسطينيين، ولكن حكومتنا تعتقد أن أفضل وسيلة للخروج من هذه المحنة التي دامت قرناً من الزمان سوف تتمثل في إجراء إستفتاء يتمكن فيه كل من يعيش بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط ​​ـ المسلمون، المسيحيون واليهود ـ و الفلسطينيون الذين طردوا إلى الشتات في القرن العشرين (مع ذريتهم) من تحديد نظام حكم مُستقبلي قابل للإستمرار، وهذا يتماشى مع القانون الدولي، ومن شأنه أن يبني على النجاح الذي حققته جنوب أفريقيا، حيث تحول نظام الفصل العنصري إلى دولة ديمقراطية قابلة للإستمرار.

إن المشاركة البناءة مع إيران، إلى جانب الالتزام بالدبلوماسية المُتعددة الأطراف، من شأنها أن تساعد في بناء إطار للأمن والاستقرار العالميين في المنطقة، بالتالي، فإنها قادرة على الحد من التوترات وتعزيز الرخاء والتنمية في الأمد البعيد، وهذا التحول يشكل أهمية بالغة للتغلب على الصراعات الراسخة.

رغم أن إيران اليوم واثقة من قدرتها على القتال للدفاع عن نفسها، فإنها تريد السلام، وهي عازمة على بناء مستقبل أفضل، ويمكن لإيران أن تكون شريكاً قادراً وراغباً، طالما كانت شراكاتها قائمة على الاحترام المتبادل والمساواة، و لا ينبغي لنا أن نفوت هذه الفرصة لبداية جديدة.

(ترجمة لمقال محمد جواد ظريف في Foreign Affairs الأمريكية، محمد جواد ظريف، وزير خارجية ايران خلال فترة رئاسة الرئيس الإيراني حسن روحاني، والمفاوض الرئيسي لإتفاق إيران في عام 2015، الان يعمل مستشار للرئيس الإيراني الحالي مسعود پزشكيان)

أقرأ المزيد

المقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، لايمكن نسخ المحتويات