
في سياق مُتوتر وقبل أسبوع واحد فقط من عودة الرئيس المنتخب دونالد ترامب، أجتمع دبلوماسيون إيرانيون، فرنسيون، بريطانيون وألمان في وقت سابق من هذا الأسبوع بالقرب من العاصمة السويسرية جنيف، حيث كان البرنامج النووي الإيراني على جدول الأعمال، لكن إحتمالات إحراز تقدم مُستقبلي بشأن هذه القضية الشائكة تظل ضئيلة.
وصف الدبلوماسيون من كافة البلدان المشاركة في الإجتماعات بأن المناقشات (التي عقدت في مكان سري بالقرب من جنيف) – بأنها جدية، صريحة وبناءة، بعد اليوم الأول من يومين من المحادثات، وكان ممثلو هذه البلدان قد أجتمعوا بالفعل في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2024، في المدينة السويسرية.
خلال ذلك، أضاف وزير الخارجية الإيراني أنه يشعر برغبة جادة من البلدان الثلاث (فرنسا، المملكة المتحدة وألمانيا) لاستئناف المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني.
أتفق الجانبان على تأطير المُحادثات باعتبارها (مشاورات) بدلاً من (مفاوضات) رسمية، مما يوفر فرصة لإيران والقوى الأوروبية لمُعالجة العديد من المواضيع، بما في ذلك القضية الحاسمة المُتمثلة في تطور برنامج إيران النووي.
ولكن وراء الشكليات الدبلوماسية يكمن إلحاح متزايد، حيث تشعر الدول الأوروبية بالقلق بشكل مُتزايد إزاء التقدم السريع في البرنامج النووي الإيراني، ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية ــ هيئة الرقابة النووية التابعة للأمم المتحدة ــ أصبحت إيران الآن قادرة على تخصيب اليورانيوم إلى نقاء 60%، وهو ما يقترب من عتبة 90% المطلوبة للأسلحة النووية.
في حين دعت فرنسا، المملكة المتحدة وألمانيا، إيران إلى وقف التصعيد النووي، حيث تزعم إيران أنها تتمتع بالحق في تطوير الطاقة النووية لأغراض مدنية.
في الوقت نفسه، تواجه إيران ضغوطاً داخلية وخارجية مُتزايدة، فقد ضعفت البلاد بسبب النكسات العسكرية التي ألحقتها إسرائيل بوكلائها الإقليميين ــ مثل حزب الله و حماس ــ و إنهيار نظام بشار الأسد في سوريا.
فضلاً عن ذلك، تواجه إيران أزمة إقتصادية حادة، في ضوء ذلك، تسعى إيران إلى تخفيف العقوبات الغربية.
تزداد هذه الحاجة المُلحة مع إقتراب المواعيد النهائية للعقوبات الأممية على أيران، حيث في أكتوبر/تشرين الأول 2025، من المقرر أن تنتهي صلاحية الأحكام الرئيسية لخطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، والمعروفة باسم الاتفاق النووي الإيراني.
ومن الجدير بالذكر أن آلية “العودة السريعة للعقوبات” – التي تسمح لفرنسا أو المملكة المتحدة أو ألمانيا بإعادة فرض عقوبات الأمم المُتحدة على إيران من جانب واحد – لن تكون مُتاحة للقوى الأوروبية بعد التاريخ المذكور.

لقد تدهورت العلاقات بين إيران والدول الأوروبية، والتي كانت تأريخيًا أفضل من علاقات إيران بالولايات المتحدة، والتي أنقطعت منذ 45 عامًا، في السنوات الأخيرة.
يرجع سبب هذا إلى حد كبير إلى تسليم إيران طائرات بدون طيار إلى روسيا لإستخدامها في الحرب في أوكرانيا وقمعها للإحتجاجات في أعقاب وفاة أمرأة إيرانية بسبب قضية الحجاب.
لكن أي اتفاق جديد سوف ينطوي حتما على مُشاركة الولايات المتحدة، التي كانت غائبة عن محادثات جنيف.
في عام 2018، أنسحبت الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب خلال فترته الأولى، من خطة العمل الشاملة المُشتركة، حيث زعم الرئيس الأمريكي بأن الاتفاق كان غير عادل للولايات المتحدة.
يفرض الإتفاق، الذي وقعته كذلك الصين وروسيا، إضافة للثلاثي الأوربي (فرنسا، المملكة المتحدة وألمانيا)، قيودا على البرنامج النووي الإيراني في مقابل رفع العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة، ومع ذلك، بعد إنسحاب الولايات المتحدة وإعادة فرض العقوبات، بدأت إيران في إنتهاك هذه القيود.
يقول ديفيد ريغوليه روز، الباحث في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية في فرنسا، بأنه اليوم، يعلم الجميع أن الاتفاق أصبح بالياً، و لقد أصبح بالياً لأنه منذ توقيعه، أحرزت إيران تقدما هائلا في تخصيب اليورانيوم وتخزينه، وهو ما لم يعد يتماشى مع برنامج مدني، وفقا للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن الصعب أن نرى كيف يمكن لإيران أن تمتثل للاتفاق.
وقال بأن الاستحواذ المُحتمل لإيران على سلاح نووي لا يتوقف الآن على أسئلة تقنية بل قرارات سياسية، وإن موقف إيران الضعيف قد يدفعها نحو تطوير قوة ردع نووية.
منذ توليه منصبه في أغسطس/آب 2024، أعرب الرئيس الإيراني الجديد مسعود پزشكيان مراراً وتكراراً عن رغبته في إستئناف المُحادثات مع الشركاء الدوليين.
يقول خبير في شؤون أمن الشرق الأوسط في معهد جنيف للدراسات العليا، بأن الرئيس وفريقه للشؤون الخارجية يفضلون إبرام اتفاق مع الإدارة الأميركية الجديدة، وقد يشمل هذا أو لا يشمل القوى الأوروبية، حيث تريد الحكومة الإيرانية الحصول على تخفيف العقوبات وخفض التوترات مع الولايات المتحدة لتجنب المواجهة العسكرية معها، ووضعها في موقف تشعر فيه بأنها مُضطرة إلى تطوير الأسلحة النووية.
ويشير إلى أن المُشكلة هي أن الرئيس الإيراني ليس صانع القرار الوحيد بشأن القضية النووية، لأنه يعتمد على موقف الجهات الفاعلة الأكثر قوة داخل النظام الإيراني، وخاصة المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني.
ويقول بأنه من الصعب معرفة ما إذا كانت الخطوط الحمراء الحقيقية لإيران قد تحولت بشأن القضية النووية وغيرها من القضايا المهمة، وكيف حدث ذلك، وخاصة في ضوء الأحداث الأخيرة التي أدت إلى تآكل أمنها ونفوذها.

إن عودة دونالد ترامب تضيف المزيد من عدم اليقين، فهو معروف بموقفه المُتشدد تجاه إيران، و أحاط نفسه بمسؤولين يشاركونه هذا التفكير، ومع ذلك، يرى الرئيس الأمريكي نفسه كذلك صانع صفقات وقد يميل إلى التعامل مباشرة مع إيران، تمامًا كما فعل مع كوريا الشمالية خلال ولايته الأولى.
يعترف ديفيد ريغوليه روز بهذا الإحتمال لكنه يُحذر من معضلة، حيث يمكن للرئيس الأمريكي أن يواصل المفاوضات مع إيران، مع تهميش الأوروبيين، لكنه يُخاطر بصراع الأولويات، حيث يريد الرئيس الأمريكي أن يُنظر إليه كحليف قوي لإسرائيل، ويدعم الضربات الإسرائيلية المُحتملة على المنشآت النووية الإيرانية، وفي الوقت نفسه يقدم نفسه كمدافع عن السلام.
يقول ديفيد ريغوليه روز، بأنه من المؤكد أنه إذا أراد دونالد ترامب إتفاقًا، فسيكون أكثر تقييدًا لإيران من خطة العمل الشاملة المشتركة، والمشكلة هي أن إيران لن تقبله.
في حين تبدو إحتمالات عقد إجتماع آخر بين القوى الأوروبية وإيران إيجابية، لم يتم تأكيد أي تاريخ أو مكان.
(المقال مقتبس بتصرف من SWI )






