ماذا حدث لوسائل الاعلام ودور النشر اليسارية، والليبرالية بعد فوز دونالد ترامب للمرة الثانية؟
في الأسابيع التي سبقت إنتخابات 2024 الأمريكية، لم يكن لدى أي منصة إعلامية ما يكفي من الإثارة من أجل عناوين مهمة لمعارضي دونالد ترامب، سوى موقع (Drudge Report/ موقع لتجميع الأخبار يدار بواسطة مات دروغ Matt Drudge) و في كثير من الأحيان، كانت لافتات الصفحة الرئيسية التي تحمل علامات التعجب بسبب كبر سن المُرشح (دونالد ترامب) عن الحزب الجمهوري!
كذلك بعض المنشورات، عن (عجز دونالد ترامب) عن فتح باب شاحنة القمامة!، وهو اعلان من المرشح الجمهوري، بعد حديث للرئيس جو بايدن، عن مناصري دونالد ترامب، وبأنهم عبارة عن (قمامة)!
أو، إفتتاحية الصحيفة التي تتحدث عن تدهوره العقلي المُثير للقلق!
وفي كثير من الأحيان، تتحدث عن كونه خطراً على الجمهورية، حيث كان العنوان “تهديد وجودي للديمقراطية”، عنوانًا نموذجيًا في أواخر شهر تشرين أول/ أكتوبر 2024.
بعد أسبوع من الإنتخابات، القصة أختلفت، الصفحة الرئيسية لـ Drudge Report، تتحدث عن مواضيع أخرى، عند البحث في الموقع عن “Trump”، لايوجد شيء!
ماذا حدث؟ هل كانت مجرد عثرة مؤقتة؟
لا شك في ذلك، حيث أن الرؤساء هم من يقودون الأخبار دائمًا، موقع Drudge Report، يجدها دائمًا.
ولكن، الموقع يعرف جمهوره جيدا، وهذا يعني أن إختياراته للبرامج بعد الإنتخابات هي كذلك مؤشر جيد على الإتجاه الذي تتجه إليه (الطاقة العاطفية) لأمريكا المناهضة لدونالد ترامب!
فبدلاً من إثارة إنتباهم لمواضيع دونالد ترامب، فإن الجماهير التي غذت مقاومة ما بعد عام 2016، حيث تم إنتخاب دونالد ترامب لأول مرة، تتابع نفس البرنامج جيدا لما بعد 2024، حيث تم إختياره للمرة الثانية، وتشير مجموعة من البيانات الإعلامية المُبكرة الأخرى إلى نفس الشيء.
بالنسبة لبلد يتساءل عما إذا كانت عودة دونالد ترامب ستؤدي إلى عودة فورية للغضب العام، و الطاقة الصحفية التي أثارها فوزه الأول، فإن هذا يشكل تلميحا مُبكرا بأن الإجابة ستكون: لا.
على شاشة التلفزيون، بعد التغلب على شبكة (سي إن إن CNN) في عدد المشاهدات، في ليلة الإنتخابات لأول مرة على الإطلاق، شهدت قناة (إم إس إن بي سي MSNBC)، إنخفاضا حادا في جمهورها، بعد ذلك!
ففي الأيام الستة التي أعقبت الإنتخابات، أنخفضت نسبة مشاهدة ( الشبكة الديمقراطية المُفضلة بالنسبة للديمقراطيين) عن متوسط وقت الذروة لعام 2024، بنسبة 36 %!
أنخفضت نسبة المُشاهدة لشبكة (سي إن إن) بنسبة 19 %، وخلال نفس الفترة، تجاوزت قناة فوكس FOX (المُحافظة) رقمها النموذجي لعام 2024 بنسبة 56 %!
إن شبكة (إم إس إن بي سي MSNBC) تشبه حالة الركود، بعد هبوط مفاجيء، بعد خيبات الأمل الديمقراطية مثل المناظرة الكارثية التي خاضها الرئيس جو بايدن، مع دونالد ترامب، لأول مرة لهما.
الواقع أن (السيرك المروع) لإختيارات الوزارات، للرئيس المُنتخب دونالد ترامب، هذا الأسبوع قد يجذب المُتفرجين، ولكن بعد خيبة الأمل (الليبرالية) في عام 2016، ظل جمهور الشبكة (شبكة MSNBC) في وقت الذروة في الأيام الستة التي أعقبت فوز دونالد ترامب الأولى، أعلى من متوسط العام، على الرغم من الإنخفاض الذي حدث بعد الإنتخابات.
وهناك علامات على هجرة جماعية بعد الإنتخابات من منصة (إكس X) التابعة للملياردير إيلون ماسك، مع إعلان شخصيات إعلامية مثل (نيكول والاس Nicolle Wallace من إم إس إن بي سي، و كاي ريسدال Kai Ryssdal من إن بي آر NPR، أغلقت صحيفة الغارديان البريطانية حسابها على المنصة بالفعل) عن خطط للإنسحاب من المنصة المرتبطة بشكل متزايد بالمحتوى اليميني المتطرف.
مع ذلك، لم يقم أي منهما بإلغاء فعالية حسابه على المنصة فعلياً، لكن كلاهما قال إنهما أقل إهتماما بإستهلاك ما تقدمه المنصة من محتوى!
قالت نيكول والاس من شبكة MSNBC، إنها أزالت التطبيق من هاتفها “كعمل من أعمال الحفاظ على الذات”.
في الأسبوع الماضي، آرون روبار Aaron Rupar، الصحافي المعروف بنشر مقاطع فيديو يسارية عالية الإنتشار على المنصة (منصة إكس)، قال بأن عدد متابعيه أنخفض بنحو (40 ألفًا)، منذ يوم الإنتخابات ــ وهو الرقم الذي يعزو إلى حد كبير إلى قراء مُتشابهين في التفكير، تركوا المنصة بالفعل!
أستخدم عدد من الشخصيات البارزة من ما كان يسمى ذات يوم (منصة تويتر التقدمية، قبل شراءها من قبل إليون ماسك)، مثل تيريل جيرماين ستار Terrell Jermaine Starr ، الترويج لحسابات موجودة على منصة (بلو سكايBlue Sky) المُنافسة (لمنصة X)، والتي أصبحت أكثر منصات أبل تحميلا.
حتى إذا قام معارضو دونالد ترامب (أو الأشخاص الذين يتابعونهم) بتغيير المنصات فحسب، فإن هذه التحركات لا تزال تمثل تغييرا كبيرا في الرؤية!
ونظرا للمكانة المركزية لـمنصة X في تأسيس (سرديات) كل من النُخبة الإعلامية و طبقة النشطاء على الإنترنت، فإن الغريزة لتجنبها تشير إلى أن (الهياج التَقدمي) بعد الإنتخابات الذي كون المقاومة في عام 2016، سوف يكون أكثر هدوءا هذه المرة!
ولكن بعض الأشخاص الذين ترتبط أعمالهم بإستهلاك وسائل الإعلام لهذه الفئة، لا يرون أي تغيير، فقد أعطت عواقب إنتخابات عام 2016 صناعة النشر “تأثير ترامب” الخاص بها، حيث أختفت (الوفرة من الكتب المعادية للرئيس الجديد) من على أرفف المكتبات في الولايات الزرقاء (وهي ولايات ديمقراطية بالأصل).
ربما لا تكون هذه المرة، كما يقول أحد المختصين بنشر الكتب، في واشنطن العاصمة، وهو مُتخصص في الكتب السياسية، حيث قال لصحيفة بوليتيكو:
“تحدثت إلى عشرات المُحررين الأسبوع الماضي للتحقق منهم ومعرفة ما يخططون للقيام به للكتب السياسية في عصر ترامب، لقد كانوا جميعًا مرهقين عند التفكير في نشر المزيد من الكتب المناهضة لترامب!”
“إنه مثل الخروج من الملعب في الربع الرابع عندما يكون فريقك مُتراجعًا ولعبوا بشكل سيئ طوال اليوم … لا أحد لديه الطاقة لتحمل أربع سنوات أخرى من نشر هذه الأشياء على الرغم من أن السنوات الأربع الأولى كانت جيدة جدًا للناشرين”.
في حين أن فوز دونالد ترامب الأول أثار غريزة القتال لدى الأميركيين من الديمقراطيين، فإن عواقب فوزه هذا العام تبدو أشبه بالفرار بالنسبة لهم!
من المنطقي أن يكون إستهلاك وسائل الإعلام هو المؤشر الأفضل، حيث كانت الكثير من المقاومة بعد عام 2016 في الواقع نتاجًا لدورة الأخبار المُحددة حول يوم الإنتخابات في ذلك العام: (غضب بشأن رسالة مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية – كومي، التدخل الروسي، الظلم الدستوري للمجمع الانتخابي، الذي أعطى البيت الأبيض مرة أخرى للخاسر في عدد الأصوات، التصويت العام)، هذه العوامل في مجموعها، كانت العوامل المُحركة للميل إلى النظر إلى إدارة دونالد ترامب الأولى على أنها غير شرعية، والرئيس الخامس والأربعين كمحتل للبيت الأبيض!
في حالة من الصدمة، الغضب و الإقتناع، بأن الصحافة غير الماهرة قبل الإنتخابات أفسدت التغطية، الَتهم معارضو دونالد ترامب الأخبار و التحليلات الغاضبة من قبل الصحافة – ثم أستخدموا غضبهم لتأجيج الإحتجاجات في الشوارع، وشراء القبعات النسائية، وزيادة الإشتراكات في الوسائل الإعلامية التي وعدت بقول الحقيقة!
هذه المرة، لا توجد قوة أجنبية مُهددة للإنتخابات (*في الحقيقة وجدت منشورات اعلامية تتحدث عن تدخل إيراني، صيني، وروسي في الإنتخابات)، لفضحها، أو حكم دستوري عتيق للشكوى منه أو مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي المُتعثر لإلقاء اللوم عليه!
وحتى لا يوجد أي شيء غريب في إختيارات المواطنين، المواطنيين الأمريكيين جعلوا (بحكمتهم) من دونالد ترامب الرئيس الشرعي، و الشيء الوحيد الذي يمكن إنتقاده من جانب المؤسسة الاعلامية هو ميلها غير المدروس إلى وصف نسبة 50.1% التي حصل عليها، بأنها إنتصار شعبي كبير له!
وبدلاً من ذلك، كان الإنتاج الإعلامي المناهض لدونالد ترامب هذا الشهر عبارة عن إعتذارات من المُعلقين الذين أخطأوا، وهذا ليس بالضبط النوع الذي قد يجعل ناخبوا كامالا هاريس (المرشحة عن الحزب الديمقراطي) يتأثرون بها!
لا عجب أن لا أحد يتحدث عن مسيرة مليون شخص في واشنطن، فقد تقدم مروجي الإحتجاج الرئيسيين، حول تنصيب دونالد ترامب الثاني، بطلب تصريح يتوقعون فيه مشاركة حوالي (50 ألف مشارك فقط)، أي ما يقرب من خمسة في المائة من مسيرة النساء في عام 2017!
بالنسبة لليسار، هناك إفتراض بأن غياب المُقاومة، في وسائل الإعلام وخارجها، سيكون كارثة، حيث يعود دونالد ترامب إلى منصبه بطموحات أكثر جذرية بكثير مما كان عليه في عام 2016، و خُطط أكثر تماسكًا لتحقيقها!
ولكن إذا كنت ضد إلغاء اللوائح البيئية، أو طرد الموظفين العموميين، أو إلغاء قانون الرعاية الصحية، أو فرض عمليات الترحيل الجماعي، فإن الغضب العام هو وسيلة للرد – أو على الأقل عدم دعم الديمقراطيين الذين قد يتعاونون مع الإدارة الحالية.
ومع ذلك، لسنا متأكدين من أن معارضي دونالد ترامب يجب أن يتمنوا تكرار المقاومة الأولى، خلال فترة دونالد ترامب الثانية!
لقد أدى ارتفاع المشاركة السياسية بعد عام 2016 إلى تنشيط أعداد هائلة من الناس، وفي نظرة إلى الوراء، أظهرت كذلك العديد من الصفات التي جعلت الديمقراطيين غير قادرين على التمسك بسعيهم للرئاسة، بعد خسارة دونالد ترامب في عام 2020.
تم تنظيم الجزء الأكبر من لحظات الاحتجاج العامة الكبيرة، على سبيل المثال، حول قضايا الهوية: مسيرة النساء، والتعبئة ضد حظر المسلمين، والغضب بشأن احتجاجات شارلوتسفيل، واحتجاجات العدالة العرقية في عام 2020، حيث كانت كلها قضايا عادلة.
ومع ذلك، لم تصنف المقاومة (اليسار) على أنه يمثل غالبية الشعب الأمريكي، ولكن عبارة عن إتحاد من الدوائر الانتخابية التي تعرضت لسوء المعاملة، ولم تظهر حتى قوة حزبية بسيطة.
كانت القطعة الإعلامية من المقاومة الأولى كذلك مزيجًا مُختلطًا، فقد عزز الشعور بالأزمة الإشتراكات في وسائل الإعلام الكبيرة، مثل صحيفة واشنطن بوست WP، و صحيفة نيويورك تايمز NYT، لكنها عززت بعض الإتجاهات التي خدمت (اليسار) بشكل سيئ خلال سنوات حكم الرئيس جو بايدن.
و عززت أجواء المقاومة التركيز المُفرط على المفردات، وكأن قول ” هذا كَذب” بدلاً من ” هذا مزيف” هو ما يلزم للتغلب على إنكار الإنتخابات من قبل انصار دونالد ترامب!
و كذلك، عززت الرغبة في إسكات التقارير التي قد يُنظر إليها على أنها تساعد الجانب الآخر، كما فعلت التغطية اللاهثة لموضوع رسائل البريد الإلكتروني السرية، للمرشحة عن الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون في عام 2016.
ومع ذلك، قبل عام 2024، ساهمت هذه المراقبة الإخبارية بالتأكيد في الافتقار إلى الاهتمام بعمر جو بايدن و إسكات أولئك الذين أرادوا مُنافسًا أساسيًا عندما كان ذلك لا يزال ممكنًا.
الواقع أن النظام الإعلامي الذي ترك العديد من الديمقراطيين في دهشة إزاء خسارة كامالا هاريس لا يساعد المقاومة كثيرا، أليس كذلك؟
والواقع أن الضحية الأكثر حُزنا للإنفصال الاعلامي الجديد، ربما تكون صحيفة واشنطن بوست.
في لحظة قبل الإنتخابات من (الغضب التقدمي) المُنخرط، ألغى 250 ألف مُشترك من مشتركي الصحيفة، إشتراكاتهم بعد قرار مالك الصحيفة، جيف بيزوس، مؤسس أمازون، بعدم تأييد أي مرشح رئاسي (رفض تأييد كامالا هاريس)، والذي بدا وكأنه إسترضاء جبان من قِبَل شخص يدعي بأنه (حامي الديمقراطية)!
والواقع أن تحرك جيف بيزوس ــ و منشوره المُتملق بعد الإنتخابات الذي هنأ فيه دونالد ترامب ــ جعل إلغاء الاشتراكات يبدو وكأنه إنتقام عادل!
مع ذلك، فإن خسائر الاشتراكات سوف تأتي من ميزانية دعمت تقارير طموحة بإستمرار، وهو أمر ضروري أكثر من أي وقت مضى بعد عودة زعيم وصفه أقرب مُساعديه السابقين بأنه مُستبد مُتطلع.
والآن، إذا كان العزوف الكبير عن متابعة الأخبار في عام 2024 هو ما يبدو عليه، فلن يكون هناك على الفور دفعة جديدة من الطاقة لمساعدة المنشورات الجادة على زيادة أعدادها مرة أخرى.
(ترجمة بتصرف، وزيادة بعض المعلومات، لمقال لـ Michael Schaffer، بعنوان
The Resistance Is Not Coming to Save You. It’s Tuning Out)
والعنوان الثانوي للمقال
The Trump Bump is Dead. Is the Resisitance dead too
بتأريخ 15/11/2024






