تقارير

كم تحتاج إيران من الوقت لصنع القنابل النووية بالإعتماد على النموذج الصيني؟

منذ إنسحاب الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى من خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 (JCPOA) أو الإتفاق النووي – في أيار/مايو 2018، أدى ذلك إلى تقليل القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني ومراقبته بشكل كبير، و منذ منتصف عام 2019، أختصرت إيران بشكل كبير الوقت اللازم للحصول (إنتاج ) ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب (HEU) لصنع سلاح نووي إلى أيام قليلة فقط.

السؤال المطروح هو، ما مدى سرعة إيران في صنع قنبلة نووية، بمجرد حصولها على ما يكفي من اليورانيوم المُستخدم في صنع الأسلحة؟، ومعلومات للبداية، فأن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في منتدى دافوس، المنعقد خلال هذه الأسبوع، صرح للصحفيين بأن إيران تمتلك الان 200 كيلوغرام من اليورانيوم المُخصب بنسبة 60%، وهو اعلى بكثير مما يتطلبه برنامج سلمي، وأقل بقليل من صناعة الاسلحة النووية.

image 3

يزعم بعض الخُبراء النوويين أن الأمر سيستغرق من إيران ما بين عدة أشهر إلى عام، و لكن تجربة الصين تظهر أن إيران يمكن أن تصنع قنبلة أسرع بكثير – في غضون ثلاثة إلى خمسة أسابيع فقط.

بصرف النظر عن الحصول على المواد الانشطارية (النووية) اللازمة، فإن صنع رأس حربي نووي ينطوي على عدة خطوات حاسمة، حيث تتضمن هذه العملية تحويل غاز سداسي فلوريد اليورانيوم (UF6) إلى شكل معدني ثم صب المعدن وتشكيله في قلب القنبلة.

كما يجب أن تكون المكونات غير النووية الأخرى جاهزة قبل تجميع الرأس الحربي، وتشمل هذه المكونات غير النووية تصميم السلاح، مطلق النيوترونات (مصدر يطلق نيوترونات لقصف ذرات اليورانيوم)، نظام تركيز موجة التفجير باتجاه الذرة، المتفجرات العالية، المُفجرات (بدء عملية تفجير المتفجرات)، نظام التسليح، الاندماج والإطلاق بواسطة الصاروخ نحو الهدف المنشود.

وتُظهر تجربة الدول النووية الأخرى أن هذه المكونات غير النووية يمكن بناؤها بالتوازي مع إنتاج وقود الأسلحة النووية، وهذا يعني أنها لا تتطلب وقتًا إضافيًا.

nuclear

(أحد الرسومات التي وجدت في الوثائق التي حصلت عليها اسرائيل من داخل ايران)

عندما أنتجت الصين أول دفعة من اليورانيوم عالي التخصيب المُستخدم في صنع الأسلحة في كانون الثاني/يناير 1964 لأول تجربة نووية لها، كانت جميع المكونات غير النووية اللازمة لقنبلتيها جاهزة بالفعل بحلول عام 1963، و في ذلك الوقت، كان صانعو الأسلحة ينتظرون فقط إنتاج ما يكفي من اليورانيوم عالي التخصيب لتلك القنبلتين الأوليين.

بمجرد إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب، أمضى العلماء والمهندسون الصينيون أسبوعًا إلى أسبوعين في تحويل غاز سادس فلوريد اليورانيوم إلى معدن وتنقيته وأسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى لصهر المعدن وخطوات الصب، و بعد ذلك، قاموا بتصنيع قلب القنبلة الأول (المصنوع من نصفي كرة) في غضون ساعات في الصباح الباكر من يوم 1 أيار/مايو 1964.

image31 2

في أوائل أب/أغسطس 1964، بدأ مهندسو الأسلحة الصينيون التجميع النهائي للقنبلتين، والذي أكملوه في الـ 20 من نفس الشهر في عام 1964، في مصنع أسلحة نووية.

أستغرق الأمر حوالي ثلاثة أيام فقط لإكمال تجميع القنبلة الأولى، و بعد تجارب التجميع الأولية، قاموا بتفكيك القنبلتين لإعدادهما للشحن إلى موقع إختبار في شينجيانغ (غرب الصين)، ثم أعيد تجميع القنبلة في حوالي 10 ساعات، وإعدادها لأول إنفجار نووي في الصين.

في المجموع، أستغرق الأمر من الصين حوالي ثلاثة إلى خمسة أسابيع فقط لتحويل سادس فلوريد اليورانيوم، صب قطع معدنية، تصنيع القلب، وتجميع القنبلة النووية.

lop nor m1011 1 8 oct 1964 1

صورة لموقع التفجير النووي الصيني في لوب نور، بواسطة قمر التجسس الامريكي كي هول

لقد بنت الصين قنابلها الأولى قبل نحو ستين عاما، عندما كانت تفتقر إلى المُعدات المتقدمة، ومنذ ذلك الحين، كان لدى إيران مُتسع من الوقت لتصميم رأس حربي أصغر وأخف وزنا، ومُتفجرات أكثر قوة، وأنظمة تركيز أكثر تقدما.

وعلاوة على ذلك، تم تصنيع سلاح الصين في وقت السلم، ولو كان صانعو الأسلحة في الصين يخضعون لجدول زمني مُشدد أو تحت ضغوط أثناء الحرب، لكانوا قد صنعوا سلاحا نوويا في أقل من ثلاثة أسابيع.

images

تُظهر أجزاء من الأرشيف النووي الإيراني، الذي أستولت عليه إسرائيل في كانون أول/يناير 2018، بوضوح مشاريع التسليح الإيرانية التي تعمل بالتوازي مع مشاريع اليورانيوم عالي التخصيب بموجب مشروع عماد، وهو الاسم الرمزي الإيراني لبرنامج الأسلحة النووية السريع الذي عمل من عام 1999 إلى عام 2003.

كانت خطة عماد تهدف إلى إنتاج خمسة أسلحة نووية بقوة 10 كيلوطن بحلول أوائل عام 2004، بما في ذلك أربعة رؤوس نووية حربية لصاروخ شهاب 3 الباليستي، ورأس حربي آخر للاختبار تحت الأرض.

iran1

كانت تصاميم الأسلحة الإيرانية المُبكرة مشابهة للسمات التصميمية الرئيسية لأول قنبلة نووية صينية، وأول رأس حربي صاروخي، و تميزت كلتا القنبلتين النوويتين، بتصميم رأس حربي من نوع الانفجار الداخلي مع قلب من اليورانيوم عالي التخصيب معلق في الهواء، ومصدر نيوترون (ديوتريد اليورانيوم)، ونظام تركيز موجة تفجير مُتقدم.

يفترض العديد من الخبراء الغربيين، بأن الصين صممت أول قنبلة نووية لها بنفس السمات الرئيسية لقنبلة (فات مان) للولايات المتحدة، والتي أنفجرت فوق مدينة ناغازاكي اليابانية في 9 أب/أغسطس 1945، بما في ذلك البادئ النيوتروني، نظام تركيز موجة التفجير، وتصميم القلب (غير المعلق في الهواء) (باستثناء المادة الانشطارية، والتي كانت من البلوتونيوم في حالة قنبلة فات مان).

US nuclear

(قنبلة نووية تستخدم البلوتونيوم بدلا من اليورانيوم)

ومع ذلك، تُظهر المصادر الصينية المُتاحة حديثًا أن التصميم الأولي للصين كان مختلفًا تمامًا عن تصميم القنبلة الأمريكية.

في الوقت نفسه، ركزت الصين على تصميم نظام تركيز مُوجة التفجير ــ وهو التحدي التقني الرئيسي للقنبلة من النوع الذي ينفجر إلى الداخل، ومنذ البداية، ركز خبراء الأسلحة الصينيون على تطوير نظامين للتركيز: الأول كان نفس العدسات المتفجرة المُستخدمة في القنبلة الأمريكية (فات مان)، وكان النظام الثاني هو نظام تركيز موجة التفجير (الذي يشار إليه كذلك باسم نظام التركيز-البلاط -المُسطح، والذي يشير في اللغة الصينية إلى بلاطة سقف مميز ذا منحنى فضاء خاص، مصنوعة فقط من مُتفجرات شديدة الاحتراق وبلاط معدني رقيق (ومن هنا جاء اسمها).

china

في نهاية المطاف أختار مصممو الأسلحة الصينيون نظام التركيز “البلاط” للقنبلة النووية الأولى للصين، فقد أعتقدوا أن نهج العدسات المُتفجرة كان أسهل تحقيقه، ولكن المُتفجرات عالية السرعة ومنخفضة السرعة المتاحة من شأنها أن تجعل نظام العدسات المتفجرة أكبر حجماً، قوياً للغاية، وضخماً للغاية.

وعلى العكس من ذلك، كانت طريقة التركيز (البلاط) أسهل في التسليح (تفجير القنبلة النووية)، على الرغم من صعوبة تشكيلها في منحنى الفضاء المُعقد للقذيفة المعدنية، حيث قرر صانعو الأسلحة الصينيين التعامل مع الطريقة المُتقدمة لتركيز البلاط كهدف رئيسي واستخدموها في أول قنبلة نووية صينية.

لجعل هذه القنبلة النووية الأولى أصغر وأخف وزنًا، أستخدمت الصين قلبًا معلقًا في الهواء، بدلاً من القلب الصلب لـقنبلة فات مان الأمريكية.

يَفصل تصميم القلب “المُعلق” حفرة المواد الانشطارية عن طبقة طائرة بفجوة هوائية، ويضغط هذا النوع من الفجوة الهوائية بكفاءة على الحفرة الانشطارية، مما يسمح لها بتحقيق مردود إنفجاري أعلى، و لتصميم هذا القلب المُعلق في الهواء، أجرى صانعو الأسلحة الصينيون العديد من تجارب التفجير لتحديد الأبعاد المثلى للفجوة الهوائية وطريقة لربط الحفرة الانشطارية المُعلقة بالطبقة الطائرة دون التأثير على عملية الانفجار، حيث سمحت ميزات التصميم المُتقدمة هذه لأول قنبلة نووية صينية بامتلاك حزمة فيزيائية تزن أقل من نصف وزن قنبلة فات مان الأمريكية، لتحقيق مردود إختبار مماثل للإنفجار، يبلغ حوالي 20 كيلو طن.

ولكن من غير الواضح ما إذا كانت تصاميم القنبلة الإيرانية ـ في الماضي والحاضر ـ تستند إلى تصميم قنبلة نووية أجنبية، حيث يقال إن شبكة السوق السوداء النووية التي أسسها الفيزيائي عبد القدير خان ـ الذي يعتبر أباً للبرنامج الأسلحة النووية الباكستانية ـ نقلت تصميم الرأس الحربي الصيني 548 إلى ليبيا، ولكن من غير الواضح ما إذا كانت إيران قد تلقت تصميم الرأس الحربي 548.

ونظراً للتشابه بين القنبلة الإيرانية وتصميم القنبلة النووية الصينية، فإن القضايا الفنية والجداول الزمنية لتطوير القنبلة في الصين من الممكن أن تلقي الضوء على الجداول الزمنية المُحتملة لتطوير القنبلة في إيران.

image34 2

بناءً على الخبرة الصينية وفحص الأرشيف النووي الإيراني الذي تم الإستيلاء عليه من قبل إسرائيل، بدا أنه في ختام خطة عماد في عام 2003، أحرزت إيران بالفعل تقدمًا كبيرًا في جميع الجوانب الأخرى تقريبًا للتسليح النووي – بما في ذلك تصميم السلاح، ومصدر النيوترون، نظام تركيز موجة التفجير، الاختبار البارد (دون الحرج)، الصب و التصنيع، ودمج الرؤوس الحربية و رأس الصاروخ النووي.

ربما أحرزت إيران تقدمًا أكثر أهمية في هذه المشاريع على مدى السنوات العشرين الماضية، حيث تُظهر الاوراق البحثية التي حصلت عليها اسرائيل، أنه بعد عام 2003، أستمرت المنظمات الإيرانية الأخرى في العمل على برامج الأسلحة النووية بجهد أصغر وأكثر تشتتًا، على الرغم من أنه من غير الواضح مقدار الجهد الذي بذلته إيران في برامج التسليح منذ عام 2003، إلا أنه بعد فشل الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018، من المرجح أن إيران سرّعت جهودها في التسليح.

بعد أن ينتج وقود اليورانيوم عالي التخصيب كمية كبيرة من المواد الانشطارية، تظهر الحالة الصينية أن الوقت اللازم لصنع قنبلة يعتمد فقط على مدى سرعة تحويل صانعي الأسلحة للوقود إلى معدن وصبّه كنواة للقنبلة، حيث يمكن تقدير أن إيران لن تستغرق وقتًا أطول من الصين لإكمال هذه الخطوة النهائية – ربما أقل من ثلاثة أسابيع.

قبل التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني في عام 2015، قدرت الحكومة الأمريكية أن إيران لم تتقن التقنيات اللازمة لبناء سلاح نووي، ومع ذلك، في تموز/يوليو 2024، قال مكتب مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكي، ايفرل هاينز، أن إيران قامت بأنشطة تضعها في وضع أفضل لإنتاج قنبلة نووية، إذا أختارت القيام بذلك.

ويؤكد هذا التقييم الأمريكي الجديد أن إيران تقدمت بشكل كبير في برنامجها النووي على مدى العقد الماضي – وربما تسارعت وتيرة ذلك منذ عام 2018.

بالنسبة لإيران الان، لا يوجد أي دليل علني على أنها أتخذت قرارها بتصنيع قنبلة نووية، ولكن الضعف الأخير الذي أصاب قدرتها على الردع التقليدي في مواجهة الهجمات الإسرائيلية على أراضيها وكذلك على حلفائها حماس وحزب الله قد يحفزها على السعي إلى الحصول على رادع نووي.

إن إيران أصبحت دولة نووية بحكم الأمر الواقع، فإذا قررت إيران أن تصبح دولة نووية، حتى في حين تواجه خطر الضربات الإسرائيلية أو الأميركية على منشآتها النووية، فسوف تتمكن من تصنيع قنابلها الأولى بسرعة وسرية.

image27 4

منذ عام 2022، تحدث المسؤولون الإيرانيون بشكل متزايد بصراحة عن آفاقها في مجال تصنيع القنبلة النووية و إستعدادها التقني لتصنيع السلاح، ومؤخراً، صرح كمال خرازي، مُستشار المرشد الأعلى الإيراني، بأن إيران قد تراجع عقيدتها النووية، وفي الوقت نفسه، أفاد بعض المُحللين أن ما يقرب من 70% من الإيرانيين يبدو أنهم يؤيدون فكرة أن البلاد يجب أن تمتلك أسلحة نووية.

إذا كانت إدارة دونالد ترامب الجديدة لا تزال تأمل في منع إيران من بناء الأسلحة النووية، فإن أفضل رهان لها هو إستئناف المُحادثات الثنائية المباشرة – سواء بشكل خاص أو علني، و إن الضربات العسكرية على المنشآت النووية الإيرانية لن تمنع أهداف الانتشار النووي الإيرانية في الأمد البعيد (ما لم يتم احتلال إيران بشكل دائم أو تغيير نظامها) وقد تدفع إيران إلى أبعد من ذلك نحو القنبلة – إذا لم تقرر بناء واحدة بالفعل.

مقتبس من thebulletin.org، مع بعض المعلومات المَزيدة من خلال التغطيات الاخبارية


للإستماع للمقال

أقرأ المزيد

المقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، لايمكن نسخ المحتويات