تحليلات إقتصادية ومالية

تواجه روسيا وضعاً صعباً إذا أستمرت حرب أوكرانيا لمزيداً من الوقت

لن يتوقف الرئيس الروسي فلاديمير بوتن ما لم يتم إيقافه، وإذا لم تتمكن أوكرانيا من الحفاظ على خط المواجهة في الحرب الحالية، فلن يكون لدى الرئيس الروسي أي حافز لإنهاء الحرب التي بدأها، وستواصل قواته التقدم حتى تجبر أوكرانيا على الخضوع، بحسب تحليل سياسي، عسكري وأقتصادي لوكالة رويترز.

ولكن، إذا تمكنت أوكرانيا من إيقاف روسيا في ساحة المعركة، فسوف تتفتح خيارات أخرى، على الرغم أن روسيا، ربما تستطيع القتال لفترة طويلة، فإن التكاليف سوف ترتفع بالنسبة لها ــ وخاصة إذا أرتفع التضخم أو أنخفضت أسعار النفط.

من الممكن أن تؤدي خطة غربية موثوقة لدعم أوكرانيا إلى جلب الرئيس الروسي إلى طاولة المفاوضات و المساعدة في تأمين إتفاق وقف إطلاق نار لائق.

ومن غير المرجح أن ينهار إقتصاد الحرب الروسي، ولكن الرئيس الروسي قد يواجه خيارات صعبة إذا استمر القتال لعدة سنوات أخرى.

وبشكل خاص، قد تضطر الدولة الروسية إلى فرض أسعار وضرائب أعلى على السكان ــ ناهيكم عن إرسال المزيد من الشباب ليلقوا حتفهم في أوكرانيا!

قد يحتاج كذلك إلى خفض الإنفاق الحكومي على الضمان الإجتماعي، التعليم والصحة، وإذا خفض الدعم لحماية الإقتصاد من أسعار الفائدة المُرتفعة، فقد تعاني كثيراً الأسر مع الرهن العقاري وقد تفلس بعض الشركات.

مثل هذا الوضع ليس حتميا، وحتى لو تحقق ذلك، فلن يلجأ الرئيس الروسي إلى السلام!

ورغم أن الشعب الروسي يفضل السلام على الحرب، فإنه لا يريد صفقة من شأنها أن تهين البلاد، كما تشير إستطلاعات الرأي

وعلاوة على ذلك، فإن الرئيس الروسي ليس مُضطرا إلى فعل ما يريده الشعب، لأنه ليس لديه منافسون سياسيون، ومع ذلك، فإن إحتمال إندلاع حرب إستنزاف مؤلمة قد يجعله أكثر إنفتاحا على التسوية، إذا أطلق الرئيس الأميركي المُنتخب دونالد ترمب مُحادثات السلام العام المقبل.

على الرغم من أن صندوق النقد الدولي يتوقع نموا بنسبة 3.6٪، إلا أن الإقتصاد الروسي ليس بصحة جيدة هذا العام!

أسعار الفائدة عند 21٪، و إنخفاض العملة الروسية (الروبل) بنسبة 6٪ خلال العام الماضي، و هي علامات على وجود مُشكلة

لقد وضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن روسيا على أهبة الإستعداد للحرب، حيث ستنفق العام المقبل، ما مقداره (17 تريليون روبل / 170 مليار دولار) – أو 8٪ من ناتجها المحلي الإجمالي GDP – على الدفاع والأمن، وهذا ما يقرب من ثلاثة أضعاف ما أنفقته في عام 2021، العام الذي سبق غزو أوكرانيا.

ولكن مع إعادة توزيع العمال على مصانع الأسلحة والجبهة، بلغ الإقتصاد أقصى طاقته، و إن مُعدل البطالة لا يتجاوز 2.4%، وقد يكون التضخم أعلى كثيراً من النسبة الرسمية البالغة 8.5%.

يعتقد الشعب الروسي أن التضخم بلغ 15.3%، وفقاً لمسح أجراه البنك المركزي الروسي، وفي الوقت نفسه، أرتفع سعر سلة من السلع الإستهلاكية سريعة الحركة بنسبة 22%، في العام حتى أيلول/سبتمبر 2024، وفقاً لشركة الأبحاث الروسية رومير Romir.

كما أرتفع سعر (الزبدة) بنسبة 34% في الأشهر العشرة الأولى من هذا العام، وفقاً لتقارير مراسلي وكالة رويترز.

ولا عجب إذن، من أن نشهد موجة من سرقات الزبدة في روسيا!

إلى حد ما، تشكل زيادات الأسعار مُجرد أداة واحدة لهندسة إقتصاد السلم إلى إقتصاد الحرب، ولكن إذا أنفجر التضخم في الأسعار أكثر من اللازم، فسوف يكون من الصعب إعادته الى وضعه السابق!

الحل التقليدي الدائم لإرتفاع التضخم، هو تشديد السياسة النقدية، ولكن إذا كان التضخم أعلى كثيراً من الأرقام الرسمية، فإن أسعار الفائدة عند 21% قد لا تكون كافية، لمحاربة التضخم.

من ناحية أخرى، هناك مجموعة ضغط قوية، بما في ذلك مؤسسة بحثية رائدة قريبة من الحكومة الروسية، تزعم أن تكاليف الإقتراض تقتل الاقتصاد ويجب خفضها.

حتى الآن، دعم الرئيس الروسي (مُحافظة البنك المركزي الروسي/ Elvira Nabiullina)، وإذا أستمر بدعمها، فقد يكون هناك عدد كبير من حالات الإفلاس والتوترات في النظام المصرفي الروسي. ولكن إذا أقالها، فإنه يخاطر بارتفاع التضخم بشكل مُتصاعد.

كل هذا سيكون صعباً ولكن من المُمكن إدارته إذا ظلت أسعار النفط عند مستوياتها الحالية، وعلى الرغم من أن العقوبات الغربية أجبرت روسيا على قبول خصم على عائداتها النفطية، ودمرت عائداتها من الغاز، فإن صندوق النقد الدولي لا يزال يتوقع أن تحقق البلاد فائضاً في الحساب الجاري بنسبة 2.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام.

ما دامت روسيا لديها أموال نقدية، فيمكنها شراء مُعدات عسكرية مفيدة من أمثال إيران، ووفقًا للولايات المتحدة، كذلك من الصين، ويمكنها كذلك الحفاظ على إمدادات السلع الإستهلاكية لتخفيف الضغط على السكان.

قد يشدد الغرب الخناق أكثر على روسيا، وقد تتخذ روسيا إجراءات صارمة ضد “الأسطول المخفي الروسي من الناقلات” التي تصدر النفط بسعر أعلى من سقف السعر الذي فرضته مجموعة الدول السبع G7، الغنية.

كما قد تتوقف أوروبا الغربية عن شراء الغاز الطبيعي المُسال الروسي (* وتستفيد من وجود الغاز الأمريكي المسال)

إن الخطر الأكبر الذي يواجه الرئيس الروسي هو أن سعر النفط العالمي، الذي أنخفض بنسبة 35٪ عن ذروته بعد غزو أوكرانيا، سوف ينخفض ​​أكثر.

في حين أن هذا ليس مؤكدًا، فإن مجموعة (أوبك +) تحجب بالفعل إمدادات تعادل 5.7٪ من الطلب العالمي، وفي الوقت نفسه، توقف الطلب على النفط من الصين عن النمو تقريبًا نتيجة لتباطؤ ثاني أكبر إقتصاد في العالم، وتحوله السريع من السيارات المُستهلكة للبنزين إلى السيارات الكهربائية.

سوف تكون التوقعات للنفط أسوأ إذا نفذ دونالد ترامب تهديده بفرض رسوم تجارية بنسبة 60% على جميع الواردات الصينية إلى الولايات المتحدة، ورسوم تتراوح بين 10% و20% على السلع القادمة من أماكن أخرى.

سوف تعاني التجارة العالمية، وقد ينخفض ​​سعر النفط الخام، وقد تواجه روسيا عجزا في الحساب الجاري.

رغم أن البنك المركزي الروسي يعلن عن إحتياطيات تبلغ (614 مليار دولار)، فقد جمد الغرب نصف هذه الاموال، وثلثا الباقي من الذهب وجزء آخر بالعملة الصينية!

ونتيجة لهذا، فإن الرئيس الروسي لديه القليل من الأصول التي يمكن الإستفادة منها بشكل مباشر، التي يمكنه الإعتماد عليها في حالة حدوث أزمة في ميزان المدفوعات.

وبوسع الرئيس الروسي، بطبيعة الحال، أن يُخفض الواردات لموازنة الحسابات، ولكن هذا من شأنه أن يلحق الضرر بالمجهود الحربي، ويزيد من إضعاف الاقتصاد غير الحربي، ويضر بالمُستهلكين.

في مواجهة مثل هذا الخيار، قد يكون الرئيس الروسي في نهاية المطاف مُستعدا لعقد صفقة لائقة مع أوكرانيا، وهذا سبب إضافي يدعو الغرب إلى دعم أوكرانيا ــ على سبيل المثال، من خلال حشد الأصول الروسية المجمدة التي تبلغ قيمتها 300 مليار دولار لدفع ثمن الأسلحة لأوكرانيا ــ والأمل في إنخفاض أسعار النفط.

للإستماع الى المقال

أقرأ المزيد

المقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، لايمكن نسخ المحتويات