هل تستطيع إيران الصُمود أمام الضغط الأمريكي المتزايد؟

بعد ستة أشهر من صراع هزّ الأسواق ودفع منطقة الشرق الاوسط إلى حافة حرب أوسع، قد ينقلب المد ضد إيران مع إطلاق الولايات المتحدة حرباً اقتصادية غير مسبوقة، لتحقيق ما لم تستطع القوة العسكرية تحقيقه.
بعد سنوات من الصمود أمام العقوبات، تواجه إيران الآن واحدة من أقسى الضغوط في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وفقا لمصادر إيرانية ومصادر إقليمية، تحدثت لوكالة رويترز، فالحصار البحري الأمريكي والعقوبات الأشد صرامة يحدّان من صادرات النفط، ويقيّدان الوصول إلى العملات الأجنبية، ويكشفان عن توترات متزايدة في الاقتصاد.
دفعت هذه الحملة المسؤولين الأمريكيين والإقليميين إلى المراهنة على أن الضغط الاقتصادي المتصاعد يمكن أن يجبر إيران على السماح بالمرور الحر عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية.
وتستند رهانتهم إلى حساب بسيط: إيران تتكبد ضررًا إقتصاديًا أكبر مما تلحقه بالآخرين، فقد أدت محاولات خنق صادرات النفط الإيرانية، إلى تقليص إيرادات الدولة، في حين لم تُحدث محاولات تعطيل الملاحة عبر هرمز الصدمة الاقتصادية العالمية التي كانت تأمل منها إيران، أن تدفع الولايات المتحدة إلى تقديم تنازلات، فقد تكيفت أسواق الطاقة واستمرت الإمدادات البديلة في التدفق.
قال محلل إيراني لوكالة رويترز:
«لقد مال ميزان القوى ضد إيران قليلًا، و أن إيران تفقد بعض نفوذها على مضيق هرمز لأنها عجزت عن إغلاقه بالكامل، و أن الحصار البحري الأمريكي يضرب إيران حقًا، حيث كانت إيران تتوقع أن يؤدي الإضطراب في المضيق إلى صدمة كبرى للاقتصاد العالمي وأن يعيد الولايات المتحدة إلى طاولة المفاوضات.
و هذا لم يحدث حقًا، فقد تكيفت دول أخرى، مما كشف حدود قدرة إيران على إلحاق ألم اقتصادي بالمنطقة وما وراءها.
وما زال من غير الواضح ما إذا كان الضغط سيفرض تنازلات، حسب المصادر الإقليمية، التي تحدثت لوكالة رويترز، فقد فشلت إيران في فرض التكاليف التي كانت تأمل أن تكسر عزيمة الطرف الأخر، الولايات المتحدة، لكنها لم تُظهر حتى الآن أي إشارة إلى التخلي عن مطالبها برفع العقوبات والحصول على الأصول المجمدة والاعتراف بدورها الأمني في هرمز.
ومع ذلك، تجري مناقشة صيغة جديدة لحل المواجهة بين الوسطاء وإيران، وفق المصادر.
أعترفت ثلاثة مصادر إيرانية رفيعة، لوكالة رويترز، بأن حملة الولايات المتحدة، باتت أصعب فأصعب على الإحتمال، فقد قيدت الإجراءات الأخيرة بشدة قدرة إيران على الوصول إلى العملات الأجنبية وإستيراد السلع والإستفادة من شبكات التمويل العالمية التي ساعدت في إبقاء الإقتصاد قائمًا.
ويخشى القادة الإيرانيون أن يؤدي تدهور الإقتصاد، المُتمثل في إرتفاع الأسعار وضعف التجارة والضغط على دخول الأسر، إلى إعادة إشعال اضطرابات وطنية تحدت الجمهورية الإسلامية مرارًا، حيث أصبح نقص السلع الأساسية المستوردة، بما في ذلك الوقود والقمح، مصدر قلق متزايد، حسب مسؤولين.
وصف وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الإستراتيجية بأنها «ضربة مزدوجة» تجمع بين الحصار و«أقسى عقوبات في التاريخ»، حيث قال لقناة سي إن بي سي:
«سوف تنجح في إيران وسنُسقط هذا النظام»
بالنسبة لبعض المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين والإقليميين، تعزز مثل هذه الضغوط الآمال في أن يؤدي الضغط الإقتصادي في نهاية المطاف إلى تبعات سياسية داخل إيران عبر إثارة الإضطرابات وتوسيع الإنقسامات داخل القيادة وإضعاف قبضتها على السلطة، ويبقى آخرون مُتشككين في أن الإكراه الاقتصادي والعسكري سيُحدث شرخًا سياسيًا، مشيرين إلى عقود من الجهود الفاشلة لزعزعة استقرار الجمهورية الإسلامية واستعدادها لقمع المعارضة.
أن حكام إيران قد يثبتون مرة أخرى أنهم أكثر صمودًا مما يتوقع خصومهم.
قال دينيس روس، المفاوض الأمريكي السابق، لوكالة رويترز، إن الولايات المتحدة، قد تفسر الضائقة الاقتصادية الإيرانية دليلًا على نجاح إستراتيجي، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا، فما زالت (إيران) مُصممة على إثبات قدرتها على السيطرة على هرمز، لكنها تبدو وكأنها تضبط إستخدام القوة مع الإحتفاظ بإمكانية التصعيد الإضافي في الاحتياط.
وقد يعتقد الحرس الثوري، أن إيران قادرة على إمتصاص الألم الإقتصادي والصمود أمام الضغط بدلًا من تقديم تنازلات، حسب دينيس روس، حيث قال:
«لقد فاجأنا الإيرانيون بإستمرار من حيث قدرتهم على الصمود»
مشيرًا إلى أنه يُشكك في أن الضغط الاقتصادي والعسكري وحده سيجبرهم على التراجع، وقال:
إن المتشددين (قد) يعتقدون أنهم قادرون على التحمل والحصول في النهاية على ما يريدون
قد يعتمد الصمود بقدر ما على تحمل الجمهور بقدر ما يعتمد على قدرة الجمهورية الإسلامية على إمتصاص المشقة الإقتصادية، بحسب بورجو أوزجيليك، الزميلة البحثية الأولى في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، حيث قالت لوكالة رويترز:
«بالطبع يرفع الضغط الاقتصادي خطر الإضطرابات الشعبية، لكن في الوقت الحالي يبدو أن عقلية زمن الحرب تسيطر بشكل كبير على السكان، فالتدخل العسكري الأجنبي والخسائر المدنية وإدراك مواجهة حضارية أوسع مع نظام تقوده الولايات المتحدة يغذي درجة من الدعم الوطني «إيران أولًا» أو التسامح أو مجرد الصبر مع النظام».
والنتيجة مأزق أكثر عنادًا مما ربما توقعته الولايات المتحدة، فالضغط الاقتصادي يعمق الألم، لكن الحرس الثوري القوي قد يرى في الصمود، المدعوم بتهديد التصعيد، ورقة مساومة لا سببًا للتراجع.
والسؤال الجوهري، ليس ما إذا كانت إيران تتألم، بل ما إذا كانت تتألم بما يكفي لتقديم تنازلات قبل أن ينزلق أي من الطرفين نحو مواجهة جديدة، حسب المصادر الإقليمية، التي تحدث لوكالة رويترز.
قال دينيس روس:
إن أوضح طريق إلى إتفاق قد يكمن في الخلاف حول رسوم الملاحة عبر مضيق هرمز، إذ يمكن لإيران أن تتخلى عن أي مطلب بفرض رسوم مرور مع الإحتفاظ بحق فرض رسوم على الخدمات الملاحية أو الأمنية أو البيئية المشروعة، وقد يمنح مثل هذا الترتيب الطرفين إمكانية الادعاء بالنصر، مما يسمح لإيران بالتراجع دون أن يبدو الأمر استسلامًا، و إذا أمكن الإعلان عن إعادة فتح المضيق، أعتقد أن الرئيس دونالد ترامب سيبرم صفقة.
المصدر/ وكالة رويترز.






