علميةنفط، غاز، معادن وطاقة

الإندماج النووي، هل يُصبح مُنافس رَخيص في مَجال تَزويد الطاقة الكهربائية؟

على بعد حوالي 10 دقائق جنوب مطار أوكلاند سان فرانسيسكو باي، يستعد العلماء لخلق نجوم صغيرة هنا على الأرض، أملاً في تزويد العالم بالطاقة الكهربائية

تقوم شركة باسيفيك فيوجن Pacific Fusion Corp، بتجميع وحدة نبض، وهي جهاز أنبوبي الشكل يبلغ طوله تقريباً طول حافلة مدينة، ومزود بمئات المُكثفات بحجم بطارية شحن الهاتف الخارجية، التي تخزن الكهرباء، حيث سيتم تركيب هذه الآلية ذات المَظهر المُستقبلي، بالإضافة إلى 155 وحدة أخرى مماثلة، في موقع العرض التجريبي الذي تبلغ تكلفته مليار دولار والذي بدأت الشركة للتو في بنائه في مدينة ألباكركي بولاية نيو مكسيكو.

عندما يعمل هذا النظام في عام 2030، سيتم شحن المكثفات بالكهرباء ثم تفريغها، مما يخلق مجالاً مغناطيسياً قوياً يَضغط حبيبة بحجم ممحاة قلم رصاص مملوءة بالديوتيريوم والتريتيوم- deuterium and tritium / H 2 /H 3 ، وهما نظيران للهيدروجين.

يفترض أن تخلق هذه العملية ظروفاً مشابهة لظروف الإنفجار الشمسي، لجزء من الثانية، بينما تندمج الذرات لتكوين الهيليوم.

باختصار، سيخلقون طاقة هائلة (حرارة)— وربما يثبتون في هذه العملية أن الإندماج النووي أكثر من مجرد تجربة علمية باهظة الثمن.

ستحتاج شركة باسيفيك فيوجن إلى أكثر من 150 وحدة نبض، في هذه التجربة.

الاندماج النووي كمصدر مُحتمل للطاقة منذ الخمسينيات.

فيما يخص النجوم، تجبر الجاذبية الهائلة والحرارة الشديدة الذرات الصغيرة على الإندماج في ذرات أكبر، مُطلقة طاقة هائلة؛ وقد تَخيل العلماء منذ فترة طويلة أن العملية نفسها قد تغذي منازلنا وآلاتنا يوماً ما. لكن، محاكاة هذه الظروف أمر صعب للغاية، فحتى وقت قريب، كانت الطاقة اللازمة لإطلاق تفاعل الإندماج أكبر من الطاقة التي ينتجها.

ثم، في أواخر عام 2022، في مختبر لورانس ليفرمور الوطني شرق ولاية سان فرانسيسكو الأمريكية، أستخدم الباحثون أكبر ليزر في العالم لتوصيل حوالي 2.05 ميغاجول من الطاقة إلى هدف (Target)، مما أطلق تفاعل إندماج نووي، أطلق 3.15 ميغاجول. حقق هذا الإختبار مستوى من الثَقة حول العالم، مما عزز الحَماس لعشرات من الشركات العالمية، التي كانت تعمل على إدخال أنظمة الإندماج النووي إلى سوق إنتاج الطاقة الكهربائية.

ولكن، حتى لذلك الإختراق، يوجد هناك دائماً مُتشككون ومرتابون، بل ونكتة قديمة في المجتمع العلمي، وهي:

«الاندماج على بعد 20 عاماً، وسيظل كذلك دائماً»

أما الآن هناك ثقة متزايدة بأن الإندماج النووي، قد يكون قابلاً للتطبيق كمصدر للطاقة — وربما بتكلفة لا تجعله بعيداً عن المتناول.

يقول غريغ تويني Greg Twinney، الرئيس التنفيذي لمجموعة جنرال فيوجن الكندية المحدودة Canada’s General Fusion Group Ltd، التي تدير نظام عرض تجريبي واسع النطاق خارج ولاية فانكوفر الكندية، لوكالة بلومبرغ:

“إثبات الإندماج النووي مجرد خطوة صغيرة نحو بناء محطة طاقة تجارية، لقد ثُبت في المُختبرات، و الآن يجب إثبات أنه يمكن تسويقه تجارياً”

ستكون المكافأة هائلة: يوفر الاندماج إمكانية طاقة نظيفة وفيرة.

مقارنة بالإنشطار النووي، العَملية النووية التي تولد الطاقة بتقسيم الذرات الكبيرة، في المفاعلات النووية حول العالم، من المتوقع أن ينتج الإندماج نفايات أقل بكثير و لا يشكل خطراً إشعاعياً على العمال. إذا نجح الإندماج النووي، على نطاق كبير بما يكفي، فسيعمل على مدار الساعة في أي طقس، على عكس الرياح والطاقة الشمسية.

راهن المُستثمرون بالفعل بأكثر من 14 مليار دولار على هذه التقنية الناشئة، منها رقم قياسي بلغ 4.5 مليار دولار في العام الماضي.

تكدس الشركات الناشئة في هذا المجال

يتتبع إتحاد صناعة الاندماج Fusion Industry Association، وهو مجموعة تجارية، أكثر من 50 شركة حول العالم تسعى لتطوير محطات طاقة بناءً على كل هذه الفيزياء والهندسة المعقدة جداً، حيث سيكون التحدي الرئيسي هو معرفة كيفية خفض التكاليف. كل شركة إندماج تبني الآن آلة من نوعها الأول، مما يعني أن كل قطعة تقريباً من المعدات يجب صنعها حسب الطلب، وهو أمر مكلف للغاية.

يقول ديفيد هيغاسون David Helgason، الشريك المؤسس في ترانزيشن فينتشرز Transition Ventures، وهي شركة إستثمار في التقنية النظيفة للطاقة، وهي لم تراهن على الإندماج جزئياً، بسبب الشك في أنها ستصل يوماً إلى تعادل التكلفة مع أشكال الطاقة الأخرى:

“توليد الكهرباء مجال تنافسي للغاية، وستتنافس مع ألواح شمسية رخيصة جداً وبطاريات رخيصة جداً”

هناك فرق كبير بين بناء نظام اندماج تجريبي ينتج الطاقة وبناء منشأة كاملة الحجم يمكنها المنافسة اقتصادياً مع مصادر الكهرباء الأخرى، كما يقول براين بيرزين، الرئيس التنفيذي لشركة ثيا إنرجي إنك Brian Berzin، Thea Energy Inc، لوكالة بلومبرغ.

هناك طريقتان أساسيتان لبناء محطة طاقة إندماج: إحداهما تتضمن إطلاق تفاعلات سريعة جداً مراراً وتكراراً، كما تفعل شركة باسيفيك فيوجن؛ والأخرى تستخدم مغانط قوية لإحتواء سحب البلازما فائقة السخونة لفترات مُمتدة على فترة طويلة، حيث تؤدي الحرارة الشديدة إلى تفاعلات إندماج مُستدامة.

تطور شركة ثيا إنرجي، النهج الثاني، حيث تقول الشركة (مقرها ولاية نيوجيرسي الأمريكية)، إنها تعمل على خفض التكاليف بنشر تصميم مغناطيس واحد موحد، على عكس التصاميم المنافسة التي قد تحتاج إلى مجموعة متنوعة من المغانط.

يؤكد براين بيرزين، الرئيس التنفذي للشركة، أن كثيراً من منافسي شركتهِ، يسعون وراء شيء رائع ومثير ومُبتكر، لكنه غير ممكن على نطاق واسع، ومعظمهم مشاريع علمية

تأمل شركة ثيا إنريجي، بأن تتمكن من بيع الطاقة الكهربائية، بحوالي 145 دولاراً لكل ميغاواط-ساعة بمجرد بناء محطة تجارية الحجم. وسيضع ذلك أنظمة الإندماج المُبكرة في نفس الفئة مع المَحطات النووية الجديدة، التي لا تُعرف بأنها أرخص مصادر الطاقة.

ومع ذلك، بحلول الوقت الذي تبني فيه شركة ثيا إنريجي، 5 إلى 10 أنظمة تجارية، يتوقع مؤسس الشركة (براين بيرزين)، أن تتمكن شركته من توصيل الطاقة بحوالي 50 دولاراً لكل ميغاواط-ساعة، وهو سعر يجعل الإندماج تنافسياً مع، الطاقة من الرياح والطاقة الشمسية والغاز الطبيعي، وفقاً لبيانات من شركة لازارد Lazard Inc، وهي شركة مالية عالمية تعد تقريراً سنوياً عن تكاليف الطاقة.

تهدف شركة إنيرشيا إنتربرايزيز Inertia Enterprises ومقرها ولاية كاليفورنيا في النهاية إلى بيع الطاقة بحوالي 100 دولار أو أقل لكل ميغاواط-ساعة من محطات الإندماج النووي الخاصة بها، و آني كريتشتر Annie Kritcher، المؤسسة المُشاركة والعالمة الرئيسة في الشَركة، وهي المصممة الرئيسية للتجربة في المختبر الوطني التي حققت إختراق 2022).

جيف لوسون Jeff Lawson، الرئيس التنفيذي لشركة إنيرشيا إنتربرايزيز، يقول:

“أصبحت الفيزياء مُمكنة الآن، ونحن هنا (في الشركة) لنثبت أن خطوات التسويق التجاري مُمكنة، و نحن نعلم أنها مُمكن أن تَعمل، و الأمر الآن مسألة توسيع النطاق فقط”

تتوقع شركة جنرال فيوجن في النهاية بيع الطاقة مقابل 64 إلى 73 دولاراً لكل ميغاواط-ساعة.

حتى لو لم تنخفض التكاليف بسرعة، لا يزال الإندماج النووي يمثل فُرصة إقتصادية جيدة، كما يقول مايك شرويفر Mike Schroepfer، كبير مسؤولي التقنية، السابق، في شركة ميتا بلاتفورمز Meta Platforms Inc، وشريك مؤسس في شركة غيغاسكيل كابيتال Gigascale Capital، والمُستثمر في التقنية النظيفة، والذي أستثمر في شركات الإندماج النووي.

يقول مايك شرويفر، لوكالة بلومبرغ:

“بفضل طفرة مراكز البيانات الإلكترونية، التي تزيد الطلب على الطاقة الكهربائية، حيث تجلب التقنية الجديدة، شركات تقنية ذات موارد مالية كبيرة جداً، بحاجة إلى الكهرباء”

على سبيل المثال، وقعت شركة مايكروسوفت في عام 2023 إتفاقية مع شركة هيليون إنرجي، المدعومة من سام ألتمان (شركة أوبن إي أي Open A .I )، كعميل مُستقبلي، قبل عامين من بدء المشروع حتى، حيث تهدف إلى العمل بحلول عام 2028.

لدى شركة كومنولث فيوجن سيستمز Commonwealth Fusion Systems، التي تبني نظاماً تجريبياً خارج بوسطن أكتمل بنسبة 80% ومن المُتوقع تشغيله العام المُقبل، صفقة بالفعل مع شركة غوغل لبيع الطاقة الكهربائية، من أول محطة تجارية لها، المُقرر أن تدخل الخدمة في ولاية فيرجينيا الأمريكية في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي.

التقنية التي تعتمد عليها الشركات مختلفة قليلاً، والتكاليف الكاملة لا تزال مجهولة، فشركة كومنولث، على سبيل المثال، تبني ألة توكاماك tokamak، وهو جهاز على شكل دائري، يستخدم 18 مغناطيساً فائق القُوة، لإحتواء البلازما داخل غرفة مُفرغة. ولأن تفاعل الإندماج يُطلق نيوترونات حُرة سريعة و ضارة، فمن المُتوقع أن يتآكل الوعاء الداخلي للمفاعل في النهاية.

يتساءل المُستثمرون: كم ستدوم تلك المُكونات، وكم ستكلف إستبدالها؟ وقد تحدد الإجابات ما إذا كان الإندماج قادراً على المنافسة مع مصادر الطاقة الأخرى.

في الوقت الحالي، تحتاج الشركات التي تبني أنظمة تجريبية ببساطة إلى إظهار أن جميع أجزاء آلاتها تَعمل، كما يقول أليكس كريلي Alex Creely، كبير المهندسين للمحطة التجارية المُخِطِطة لشركة كومنولث.

ثم يأتي الجزء الصعب: تقديم نُسخة كاملة الحجم للمحطة، منطقية إقتصادياً.

لم تعد الفيزياء هي السؤال الرئيسي، في موضوع الإندماج النووي، فالأسئلة المتبقية هي الهندسة والتكلفة والموثوقية

صورة واقعية لمشاريع الإندماج النووي – 2026

ما تم إثباته بالفعل: حقق العلماء الاندماج النووي مراراً (طاقة خارجة من الوقود أكبر من الطاقة التي أدخلها الليزر)، حيث كررت منشأة الوطنية ذلك عدة مرات، وأنتج أحد التجارب 8.6 ميغاجول من 2.08 ميغاجول من طاقة الليزر.

جمعت الشركات الخاصة أكثر من 14 مليار دولار، حيث وقّع العديد منها إتفاقيات شراء طاقة مع شركات التقنية مثل شركة مايكروسوفت وشركة غوغل وغيرهما.

ما تبنيه الشركات فعلياً: شركة كومنولث فيوجن سيستمز (الأكثر تمويلاً)، حيث بنت آلة للعرض التجريبي SPARC ، مكتملة بنسبة تقارب 80% ومن المتوقع أن تُظهر طاقة صافية حوالي عام 2027، و محطتها التجارية الأولى (ARC بقدرة نحو 400 ميغاواط) مُخطط لها في ولاية فيرجينيا في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي.

هيليون: الجدول الزمني الأكثر طموحاً — تقول الشركة إنها ستُسلم الكهرباء لشركة التقنية مايكروسوفت بحلول عام 2028، حيث بدأ البناء في المنشأة، وحصلت بالفعل على تراخيص التشغيل.

لكن، لا يزال كثير من الخبراء يصفون هذا الموعد بالتفاؤل المفرط.

باسيفيك فيوجن (الشركة المذكورة في مقال وكالة بلومبرغ): بدأت للتو أعمال البناء في مدينة ألباكركي، وتهدف إلى نظام تجريبي ينتج طاقة أكثر مما يستهلك بحلول عام 2030، مع محطة تجارية في منتصف الثلاثينيات من القرن الحالي.

الصعوبات المتبقية أمام هذه المشاريع

التكلفة: ستكون المحطات الأولى من نوعها باهظة الثمن، حيث تأمل الشركات أن تصل المحطات اللاحقة إلى 50–100 دولار لكل ميغاواط-ساعة، التحليلات المُستقلة أكثر حذراً؛ حيث يرى بعض الباحثين أن الإندماج النووي قد يبقى أغلى من الطاقة الشمسية + البطاريات + الغاز لفترة طويلة لأن الآلات مُعقدة ولا تنخفض تكلفتها بنفس سرعة الألواح الشمسية.

المواد: تتعرض جدران المفاعل لقصف نيوترونات عالية الطاقة، حيث لازالت الشركات بحاجة إلى مواد تدوم سنوات وليس أشهراً فقط من العمل.

الموثوقية: يجب أن تعمل محطة الطاقة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع لعقود، وليس لثوانٍ أو دقائق فقط.

دورة الوقود: تستخدم معظم التصاميم (التريتيوم) الذي يجب إنتاجه داخل المفاعل، و يجب أن يعمل هذا النظام على نطاق واسع.

الخلاصة

لم يعد توليد الكهرباء بالاندماج النووي خيالاً علمياً، حيث تبدو المحطات الأولى التي تضخ طاقة حقيقية في الشبكة في أوائل إلى منتصف الثلاثينيات أمراً ممكناً.

أما ما إذا كان سيصبح مصدراً رخيصاً ومنتشراً للكهرباء (ينافس الطاقة الشمسية، الرياح والغاز الطبيعي) فلا يزال سؤالاً مفتوحاً ويعتمد على سرعة إنخفاض التكاليف بعد المحطات الأولى.

فالنكتة القديمة «الإندماج دائماً على بعد 20 عاماً» أصبحت قديمة بالفعل، والنسخة الأدق الآن لهذه النكتة:

“محطات الاندماج الأولى على بعد 5–10 سنوات، و الطاقة الاندماجية الرخيصة لا تزال على بعد 15–25 عاماً، إذا نجحت الهندسة والإقتصاد».

أقرأ المزيد

المقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

عذراً، لايمكن نسخ المحتويات